السيد محمدحسين الطباطبائي
92
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
القرآن بهذا المعنى ، كما روي من طرق أهل السنّة : أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دعا لابن عباس فقال : اللهمّ فقهه في الدين وعلمه التأويل ، وما روي من قول ابن عباس : أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله ، ومن قوله : إن المحكمات هي الآيات الناسخة والمتشابهات هي المنسوخة فإن لازم هذه الروايات على ما فهموه أن يكون معنى الآية المحكمة تأويلا للآية المتشابهة وهو الذي أشرنا إليه أن التأويل بهذا المعنى ليس موردا لنظر الآية . وأما الروايات النافية أعني الدالة على أن غيره لا يعلم تأويل المتشابهات مثل ما روي أن ابن عباس كان يقرأ : وما يعلم تأويله إلّا اللّه ويقول الراسخون في العلم آمنا به وكذلك كان يقرأ أبي بن كعب . وما روي أن ابن مسعود كان يقرأ : وإن تأويله إلّا عند اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، فهذه لا تصلح لإثبات شيء : أما أولا ؛ فلأن هذه القراءات لا حجية فيها ، وأما ثانيا : فلأن غاية دلالتها أن الآية لا تدل على علم الراسخين في العلم بالتأويل وعدم دلالة الآية عليه غير دلالتها على عدمه كما هو المدعى فمن الممكن أن يدل عليه دليل آخر . ومثل ما في الدر المنثور عن الطبراني عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : لا أخاف على أمتي إلّا ثلاث خصال : أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتلوا ، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلّا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلّا أولوا الألباب ، وأن يكثر علمهم فيضيعونه ولا يبالون به . وهذا الحديث على تقدير دلالته على النفي لا يدل إلّا على نفيه عن مطلق المؤمن لا عن خصوص الراسخين في العلم ، ولا ينفع المستدل إلّا الثاني . ومثل الروايات الدالة على وجوب اتباع المحكم والإيمان بالمتشابه . وعدم دلالتها على النفي ممّا لا يرتاب فيه . ومثل ما في تفسير الآلوسي عن ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا : أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلّا اللّه ، ومن ادعى علمه سوى اللّه تعالى فهو كاذب والحديث مع كونه مرفوعا ومعارضا بما نقل عنه من دعوة